Skip to content

قراءة في تاريخ العرب غير المجيد – لقاء مع إبراهيم البليهي

April 25, 2010

هذا المقابلة مع الاستاذ إبراهيم البليهي المهتم بقضية تخلف المسلمين وواضع أسس علم الجهل وقد نشرت مقالاته مجمعة في كتاب بعنوان “البليهي في حوارات الفكر والثقافة”  الصادر عن النادي الأدبي بحائل وهي تجميع لحوارات هذا القيلسوف السعودي واخترت هذه المقالة لما فيها من اثارة لقضايا الساعة وخوضها في أمور يسكت عنها حين نتحدث عن تاريخنا القديم الذي يبجل بعظمة وفخر وننظر له بأحادية بعين واحدة كأن الصفاء والطهر والعدل كان مجموعاً قلباً وقالباً فيه مع أنه لم يكن كذلك!! الكتاب  حوى تحليلات لأوضاع العرب من صدر الإسلام إلى يومنا هذه مايجعله مرجعاً جميلاً للمهتمين بقضايا مثل تخلف الدول الإسلامية جميعها وكذلك استمرارية ظهور الطغاة وظاهرة التشرذم والحرب وغيرها من القضايا التي تملأ عقل المهتم بأمته وأهله.

اللقاء عبارة عن سؤال وجواب وفيه من الاختصار الشيء غير القليل ولمن يعرف الاستاذ إبراهيم أو لا يعرفه فحواراته هي نقطة ابتدائية لفهم مايريد قوله هذا الرجل لمن يعاني صعوبة – مثلي – في قراءة مقالاته الشهرية في صحيفة الرياض :).

اترككم مع اللقاء الذي اعدت تنسيقه فقط.

أجرى اللقاء: حسين القحطاني:

ابراهيم البليهي: مفكر مهموم بقضية التخلف فهو في كل كتاباته يعمل على تحليل ما اسماه (بنية التخلف) أي أن التخلف ليس عرضا عابرا وإنما هو بنية قوية متماسكة تتحصن عن مؤثرات العلوم وتستديم ذاتها بالانغلاق والاقصاء والرفض..
إنه يكتب بانتظام ويحاضر منذ سنوات وكل كتاباته ومحاضراته وأحاديثه تدور حول بنية التخلف حيث يرى أن هذه البنية شديدة التعقيد فهي ليست بنية بسيطة بل إنها تقوم على مجموعة من البنى مثل بنية الجهل وهو يدعو إلى تأسيس علم جديد باسم (علم التخلف) تتفرع منه مجموعة من العلوم يأتي في مقدمتها (علم الجهل) فهو يرى أن التعليم في المدارس والجامعات معني بأعطاء المعلومات أي انه محصور بتجاوز الجهل البسيط لكنه غير مهتم بالجهل المركب وهو الحصن الأمنع لبنية التخلف انه يعتقد أن المعارف العلمية تجد الأذهان أمامها موصدة وأن توطين الروح العلمية يقتضي فك اقفال العقل وازالة موانع القبول.
انه يرى أن العقل يحتله الأسبق اليه فالتعليم يأتي متأخرا بعد برمجة العقول لذلك لا يؤثر فيها كما أن المعلمين يأتون إلى مهنة التعليم وقد اكتملت برمجتهم فيشحنون أذهان الدارسين بما تبرمجوا به ما يستبقي الجميع بعيدين عن الروح العلمية.
إن عوائق النمو وموانع قبول الروح العلمية كثيرة وهو يواصل الكتابة عن هذه العوائق والموانع بوصفها تحصينات قوية واركانا راسخة ومنابع غزيرة لبنية التخلف لذلك حين أردت أن أجري معه هذا الحوار تحيرت من أين ابدأ فالقضايا التي تناولها كثيرة وكلها تستحق التوقف والمناقشة لذلك اخترت عددا من الموضوعات التي تناولها في بعض المقالات والمحاضرات المنشورة وكذلك راجعت كتابه (بنية التخلف) الذي نشرته جريدة “الرياض” ضمن سلسلة كتابها الشهري وأجريت معه حولها الحوار التالي:


ترى كيف نقدم تاريخنا العربي للجيل القادم؟
– من أكبر الأخطاء التربوية والمعرفية والوجدانية أن العرب يقدمون تاريخهم لأبنائهم مليئا بالتمجيد وبهالات التقدير التي تبلغ احيانا حد التقديس كما أنهم قد اعتادوا عدم السماح بالتساؤل حوله أو القيام بمراجعة أحداثه وتقييم قضاياه وبهذا الموقف الرافض للمراجعة والتقييم تتضاعف الهالات فبقي في نظر الأجيال كأنه كله صلاح مطلق وأمجاد صافية أي كأنه ليس من تاريخ البشر الذين تلازمهم الأهواء والنقائص والأخطاء مما أطفأ في الأجيال العربية حاسة التمحيص وحرمهم من الرؤية الموضوعية ونشأهم على الاستسلام لأي وضع وأصاب بنيتهم المعرفية والوجدانية والأخلاقية بالخلل والعطب وملأ حياتهم بالنحيب على الماضي المجيد..


ما الذي أصاب العرب في هذا العصر وأوقعهم في بؤرة التخلف؟
– إن أسباب التخلف ليست طارئة في حياة العرب فمقياس الرقي الحضاري هو قيمة الانسان وكرامته وحقوقه ومدى مشاركته في الشأن العام ليس قولا وتنظيرا وانما ممارسة وتطبيقا وهذا لم يسبق أن تحقق في التاريخ العربي باستثناء فترة الخلافة الراشدة أما بعد  ذلك فان النزاع على السلطة كان هو محور اهتمام السراة اما بقية الناس فان الأحداث تؤكد أنه ما اختلف اثنان الا انحازوا هم إلى أبعد عن الحق وأقربهما للبغي فقد كانوا مجرد أدوات للتغالب بين المتنازعين اما العلماء فكانوا متفرغين للعلم وكانوا منشغلين بما لا يفهمه عامة الناس فأنجزوا أعظم تراث فقهي عرفته الأرض لكن العلماء كانوا نسقا منفصلا عن الحياة العامة ورغم أنهم كانوا يقدمون العلم وينهضون بمهام القضاء والفتيا والمشورة والمناصحة في الحدود المتاحة فإن تأثيرهم كان أقل بكثير من تأثير أهل الرئاسة والقصاصين والوعاظ وثقافة المشافهة ومن هنا جاء الخلل.
أما مصدر قوة المسلمين في عصورهم الزاهرة فيعود إلى أنهم كانت تجمعهم في الغالب دولة واحدة كما انه لم يكن في الدنيا آنذاك أية قوة أخرى قد تجاوزت خطوط الدوران التاريخي فالمعروف أن الخلافة تعاقبت عليها دول كثيرة ابتداء من الدولة الأموية وانتهاء بالدولة العثمانية وخضعت كلها لخطوط الدوران التاريخي فكل تقدم يعقبه تراجع فعند ضعف الدولة القائمة في أية فترة تاريخية تشب إلى السلطة قوة جديدة ثم تمر بنفس مراحل التأسيس والاستقرار والانحطاط ثم الانهيار وكانت هذه الانقطاعات المتكررة تعيد المجتمعات في كل مرة إلى نقطة البداية مما جعل البشرية تستمر في الدوران في ذات المراحل.
لكن بظهور الحضارة الغربية الحديثة تجاوزت مسارات الدوران التاريخي وقفزت إلى مستوى جديد لم تعرفه الحضارات من قبل فانتقل بالحضارة من الدوران في المكان نفسه إلى الصعود المستمر والفتوحات المتجددة  وبذلك نرى الغرب منذ خمسمائة سنة وهو مطرد النمو لأنه استطاع الافلات من المسارات الرتيبة للحضارات وابتكر من الأفكار والآليات ما ضمن له التجدد المستمر والارتقاء الدائم وهكذا فانه لأسباب كثيرة وثب الغرب وثبة هائلة أخرجته من خطوط الدوران التاريخي بينما بقي العرب كما هم في تنازعهم على السلطة وحرمانهم من آلية تصحيح الأفكار والأوضاع وقمعهم للنزعة الفردية في الانسان وعدم اهتمامهم بالعلم والعمل وضعف الاهتمام بالمصلحة العامة وانعدام الشفافية والتعالي على المراجعة إلى غير ذلك من موانع النهوض.
لذلك أعتقد أن العرب لن يتجاوزوا واقعهم المأساوي حتى يأخذوا بشرط الافلات من قبضة الدوران التاريخي ومنها تغيير منظومة القيم لتكون الجدارة معيار التفاضل وليشيع بين الناس تبادل الاحترام والانصاف ولتقوم الحياة على الوضوح والصدق في التعامل والتطابق بين الأقوال والأفعال ورفع قيمة المعرفة وقيمة العمل وتغيير الموقف من الحقيقة واحلال قيمة السلطة في مكانها الصحيح من غير افراط ولا تفريط والاعتراف بفردية الانسان والالتزام به يترتب على هذا الاعتراف ولابد أن يتجاوزوا مرحلة النحيب على الماضي ويأخذوا بالأسباب التي تمنحهم القدرة على بناء مجد جديد بدلا من مواصلة النحيب على المجد الزائل.

المعروف أن التاريخ العربي زاخر بالأمجاد فلماذا تتجاهل ذلك؟
– المجد للاسلام أما الادعاء العربي للأمجاد فهو لا يختلف عن دعاوى كل الشعوب المتخلفة وادعاءات الأمجاد هي أبرز خصائص الطفولة الحضارية فما من أمة في هذا العصر قد ازدهرت الا وكان سبيلها إلى الازدهار مراجعة تاريخها والاعتراف بما فيه من نقائص وأخطاء والعمل على بناء الحاضر بجهد الأحياء وليس الاكتفاء بما بناه الأموات اما التاريخ العربي فما زال يقدم للأجيال خاليا من النقائص مع أنه مشحون بأحداث كبرى مروعة ولكن جيل عربي يقدمه لأبنائه وكأنه تاريخ ملائكي ناصع البياض فهو كله يقدم وكأنه الاجتهاد الصادق والصلاح الناصع والطهارة الكاملة والاخلاص التام والتجرد من الهوى والرغبة القصوى في الحق وهذا الاسلوب التبريري لكل الأخطاء بما في ذلك الأخطاء الكبرى المروعة قد ربى الأجيال العربية على انفصال الأقوال عن الأفعال فاذا طاب القول فلتأت الأفعال كيفما شاء الفاعلون ومتى شاع مثل هذا المنهج التبريري فقل على الحق السلام.
والباحث المهتم بالحقيقة لابد أن يرى التنافر الواضح والتناقض الشديد بين عظمة مبادئ الإسلام وسماحة تعاليمه وبين الأوضاع المتخلفة التي عاشها ويعيشها المسلمون في كل مكان.
إن الذي يتدبر القرآن الكريم يهتز كيانه بعظمة تعاليمه ولكن من يقرأ التاريخ الاسلامي أو يتأمل في واقع المسلمين اليوم يصاب بالألم والرعب والاحباط بسبب الطمس المتلاحق لبهاء هذه العظمة.

أين يكمن الخلل الرئيسي في الثقافة العربية؟
– إن اختلاف أوضاع الأمم ناتج عن الاختلاف في منظومات القيم وأعني القيم المعاشة في واقع الحياة وليس المثاليات التي لا تمارس واقعا فحين ندرس التاريخ العربي نجد أن السلطة المعتمدة على القوة والوجاهة والنفوذ هي القيمة المركزية التي توجه حركة المجتمع العربي في كل المجالات وتتحكم في سلوك الناس فكل شيء يؤدي إلى السلطة أو يوفر النفوذ أو يضمن الوجاهة أو يحقق المال هو في نظر الانسان العربي شيء يستحق أن يضحى من أجله بأي شيء وكل شيء يعوق هذه القيمة المحورية هو شيء يجب سحقه حتى ولو كان قتل أعظم الرجال وحرمان الأمة من أنضج وأصلح القدرات او هدم الكعبة أو استباحة المدينة المنورة أو ابادة آل الرسول صلاة الله عليه وسلم.

وهل يمكن أن تذكر لنا شواهد تدل على هذا التمحور حول السلطة؟
– معظم تقلبات التاريخ العربي شواهد على ذلك وعلى سبيل المثال فإن العرب تمنعوا عن قبول الاسلام تمنعا شديدا وبطيئا ولم يستجب له معظمهم حتى أصبح انتصاره حقيقة واقعة وبات وأده مستحيلا وهذا له دلالة كبيرة في نظرة العرب إلى الدين فأغلب الزعامات العشائرية رأوا في الاسلام تهديدا لزعاماتهم فلم يسلموا حتى رأوا أن المقاومة غير مجدية لذلك رأينا الرسول صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطايا السخية ليستميلهم إلى الحق وبذلك كسب الإسلام كل العشائر فالعرب يحبون المال حباً جماً كما وصفهم الله سبحانه ومن هنا سهل على قريش أن تصد الناس عن الاسلام كما فعلت مع الشاعر الأعشى الذي أجل اعلان إسلامه مقابل مال معلوم فآثر الدنيا الفانية على الآخرة الباقية فمات على الكفر.
ومما له دلالة كبيرة في هذا الصدد انه ما كاد ينتشر خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ارتد معظم العرب فكما أسلمت القبائل مع زعمائها فقد ارتدت ايضا مع اولئك الزعماء ومما يؤكد الشطط في التنازع على الدنيا ان ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة قتلوا غدرا بالمؤامرات وعمر بن عبدالعزيز مات مسمومًا وقبل أن يجف قبره عليه السلام قامت دولة الاسلام نفسه بغزو مدينته الطاهرة واذلال أحفاد انصاره كما قامت بهدم الكعبة وإعمال القتل بأهلها واغتيل الحسن بن علي بالسم الممزوج بالعسل وصلب عبدالله بن الزبير وكأنه من قطاع الطرق وبعد سنوات قليلة من موت الرسول عليه الصلاة والسلام خلفه قومه في أهله شر خلفة فبعد أن فرغوا من صلاتهم التي فرض عليهم فيها الصلاة على محمد  وعلى آل محمد ولكنهم بعد صلاتهم المليئة بالتمجيد اللفظي لآل محمد قاموا بقتلهم جميعا سوى طفل واحد انجاه الله من القتل فحفظ النسل النبوي لقد كانت مذبحة فظيعة لم يشهد التاريخ لها مثيلا من قبل ولا من بعد في أية أمة تحترم نفسها إن كل هذه التناقضات الشنيعة تحصل دون أن يحس بها الانسان العربي لأن الأحداث المروعة تقدم له بصورة عابرة ومبررة وهذا يؤكد أن قيمة السلطة في الحس العربي تعل
و على أية قيمة وكأن لسان الحال يقول ما دام ان الفعل الشنيع حصل من أجل السلطة فان هذه القيمة العليا في العرف العربي تبرر كل فعل مهما بلغت شناعته.
إن التاريخ العربي يمر بهذه الأحداث الشنيعة كأحداث عادية عابرة دون أن يرفقها بالوصم الشديد الذي تستحقه مما أوهم الأجيال بمشروعيتها وأفسد تقييمهم للأمور كما يمر هذا التاريخ بحدث مذبحة آل الرسول المروع كحدث عابر مبرر رغم أن القتلة لم يكتفوا بالذبح المهين وإنما داسوا الجثث الطاهرة بالخيل إمعانا في الاذلال والتنكيل والانتقام ونخزوا الجثث الكريمة بالخناجر والسيوف تعبيرا عن الكره والحقد وقطعوا رأس الحسين وطافوا به في الأمصار كما يطاف بأعتى المجرمين ولم يفعلوا ذلك جهلا بهويتهم وإنما يعرفون أنهم يفعلون كل هذه الشناعات بآل الرسول الذين كلفهم الله بأن يصلوا عليهم في كل صلاة فسنان بن أنس حين قطع رأس الحسين كما تقطع رؤوس الخراف ووقف على فسطاط عمر بن سعد ومعه الرأس الكريم وأخذ يصيح:
إملأ ركابي فضة وذهبا
أنا قتلت السيد المحجبا
قتلت خير الناس أماً وأبا
وخيرهم إذ ينسبون نسبا
هكذا يعلن بكل دناءة ووقاحة بأنه من أجل المال قتل خير الناس أما وأبا فهو لا يجهل من هو القتيل ولا لمن هذ الرأس الجليل!! فلا يخفي عظمة المقتول ورفيع مكانته وإنما يجعل ذلك وسيلة لطلب أوفر العطايا فلا حرمة لابن الرسول أمام شهوة المال المهم أن تملأ ركابه فضة وذهبا.
إنها سلسلة لا تتوقف من المخالفات الكبرى حولت مسار التاريخ الإسلامي وأعطبت العقل العربي وأفسدت أخلاقه وحجبت عن أهله وعن الإنسانية الكثير من بهاء الإسلام وعظمة تعاليمه إنها أحداث مرعبة تزلزل الوجدان وتكشف بأن الشخصية العربية وقيمها الهزيلة تنطوي على خلل جذري جعل حب السلطة وحب المال وحب الجاه والنفوذ يهيمن على القيم الرفيعة أو يمسخ محتواها ويسوغ الفصل التام بين القول والفعل لذلك خاطب الله تعالى العرب وهو العليم بما يفعلون بقوله {كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} لذلك ينبغي أن نعيد قراءة تاريخنا قراءة فاحصة تعيد للإسلام بهاءه وتوضح الإساءات الكبرى التي نالت منه على أيدي المتنازعين على السلطة والملتفين حولهم من طالبي الجاه والمال والنفوذ.

ولكنك هنا تنظر بعين واحدة فقط ألم تسمع عما حدث في الحضارات الأخرى؟
– نحن نفطن للفظائع التي تحصل من الآخرين لكننا نتجاهل ما يحصل منا سواء في الماضي أو في الحاضر فجرائم صدام حسين التي ملأت البر والبحر وأورثت المنطقة كلها ركاما هائلا من المعضلات التي لا نهاية لها نحاول الآن أن نتجاهلها في خضم سخطنا على أمريكا إن رد الفعل ضد امريكا لا يسوغ التغاضي عن جرائم صدام حسين: ولكننا واقعون في أسر التفكير الثنائي الذي يؤدي إلى الخلط المهلك فأصبحنا نرى أن كرهنا لامريكا يقتضي الكف عن فضح جرائم صدام حسين بل بدأنا نسمع من يترحم عليه وهذا خلل فظيع فالشر اللاحق لا يبرر الشر السابق وقد كان أسلافنا أكثر منا حكمة حيث يرون أن ظلم القريب أشنع من ظلم البعيد:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند
إننا نستفظع الجرائم التي نقرأ عنها في تواريخ الأمم الأخرى لكننا نمر على الأحداث المروعة في التاريخ العربي فلا نشمئز لأننا اعتدنا على تمجيد الماضي كله بخيره وشره كما اعتدنا تسويغ المذابح التي تحصل في النزاعات على السلطة ان العباسيين حين استولوا على السلطة أبادوا بني أمية وبسطوا الفرش فوق الجثث وجلسوا يأكلون والجثث تحتهم امعانا في الاذلال ويتكرر المشهد في التاريخ العربي طيلة العصور بما في ذلك بعض احداث الانقلابات العسكرية في هذا العصر..
وإذا نحن وصلنا إلى ما يعتبر من أزهى عصور الإسلام من الناحية الحضارية نجد أن المأمون استخدم سلطته لمصادرة الفكر وقهر الرأي وارغام العلماء على القول بخلق القرآن وهي حماقة شنيعة لا يحصل مثلها في أي مجتمع متحضر يحترم الانسان.
وكان رد الفعل لهذه الحماقة سيئا حيث أنه سبب هذا التصرف الأحمق من المأمون انتشر التوجس من العقل حتى انطبع هذا التوجس في الثقافة العربية خلال القرون التالية مع أن العقل هو مناط التكليف وبه خاطب الله البشر وبدونه لا يستطيعون فهم وحيه ولا اقرار شريعته ولا اقامة عدله فبالعقل صار الانسان أهلا للتكليف وصار أهلا للعلاقة المباشرة مع خالق الكون.
وآفة حب السلطة والاقتتال المرير من أجلها لازمت العرب أينما حلوا فقد حكموا الأندلس ثمانية قرون ولكن بسبب التنازع على السلطة ضاعت منهم إلى الأبد مع أنهم لم يؤخذوا على غرة وإنما ظل الأسبان يطاردونهم أربعة قرون يزيحونهم من الشمال نحو الجنوب حتى لم يبق بأيديهم سوى غرناطة ورغم الهزائم المتلاحقة طيلة أربعة قرون فإن التنازع على السلطة سيطر على كل الأجيال مما أدى إلى محقهم جميعا واقتلاع الإسلام من قارة أوروبا.
وطيلة التاريخ العربي كانت التغيرات السياسية تأتي نزاعا على السلطة فالتاريخ العربي لا يعرف الثورات الاجتماعية وإنما كانت تحصل التقلبات من أجل زعيم وإحلال زعيم آخر أو محق أسرة حاكمة وإحلال أسرة أخرى في الحكم فكأنه لا قيمة لكل الناس وإنما المهم من يحكم الناس لذلك لم يشهد التاريخ العربي اي تغيير يستهدف مصلحة المجتمع.

تقول بأن اختلال منظومة القيم في الثقافة العربية هو مصدر البلاء فماذا تعني بذلك؟
– الإزدهار يتطلب منظومة من القيم البانية مثل الإخلاص للحق وحب المعرفة والتسابق على المهارات وتأكيد النزعة الفردية وخلق روح المبادرة والتعامل مع الخطأ بواقعية إلى غير ذلك من القيم الحضارية أما في الثقافة العربية فلا مكان لقيم العلم والعمل ولا الفردية ولا للمبادرات وإنما يتركز الاهتمام حول الوجاهة والنفوذ ففي الأمم المزدهرة السلطة وسيلة وليست غاية فهي قيمة تابعة وليست مقصودة لذاتها أما في الثقافة العربية فإن السلطة هي القيمة المحورية وتتفرع منها بقية القيم ومع ذلك فان مؤهلات الوصول إليها في العرف العربي ليست بالكفاءة والقدرة والإخلاص والصلاح وإنما بلوغ هذه السيادة لا يتطلب سوى اشباع البطون او قطع الرؤوس فأسباب السيادة عند العرب تنحصر فيما حدده شاعرهم:
لولا المشقة ساد الناس كلهمو
الجود يفقر والإقدام قتال
هكذا بكل بساطة ليس بين الانسان وبين السيادة سوى أن يشبع البطون أو يقطع الرؤوس إنها قيم هزيلة لا تنشيء حضارة ولا تصنع انسانا سويا عادلا حرا.
وفي القرن العشرين ما كادت الدول الاستعمارية تطيح بدولة الخلافة حتى صار العرب أشد المجتمعات تشتتا وبات لهم اثنتان وعشرون دولة وكان عدد السكان ضئيلا في بعض هذه الدويلات وقت استقلالها لدرجة أنهم لا يكادون يغطون حاجة سفاراتها من الموظفين.
لذلك تخيل لو أن العرب هم الذين هاجروا إلى أمريكا وهم بهذه الروح الانتهازية التنافرية كيف سيكون حال تلك القارة المحظوظة وقارن هذه الصورة المتخيلة بصورتها الحالية الباذخة فلو أن العرب هم الذين اكتشفوا امريكا وسكنوها صارت مائة دولة بدلا من كونها الآن دولة واحدة تهيمن على العالم كله.
إن قابلية التشرذم هي امتياز عربي وذلك بسبب التنازع على السلطة والتزاحم على الوجاهة والنفوذ فالصين تمثل أكثر من خمس سكان العالم وهي متحدة من آلاف السنين مع انها تضم مئات المذاهب والأديان والأعراق واللغات لقد استمرت متماسكة كل هذه القرون فتخيل كيف سيكون وضعها لو انتقل اليها وباء التشرذم العربي ماذا ستكون حالها إن حالة العرب هي حالة استثنائية في قابلية التقزم وفي حدة التناقض بين الأقوال والأفعال وبين المبدأ والواقع فالأمة التي أرد الله لها أن تكون خير امة أخرجت للناس هي اليوم تقدم عن الاسلام وعن نفسها اسوأ صورة يمكن تخيلها.

ماهو الخلل الأكبر الذي تعاني منه المجتمعات العربية؟
– الخلل الأكبر في حياة وتاريخ العرب هو التمحور حول السلطة والتزاحم الشديد على الوجاهة والنفوذ وكذلك حب المال حبا جما والأنانية المفرطة حيث كان من نتائجه تكالب الأهواء والأثرة وغياب آلية تصحيح الأفكار والأوضاع وكذلك ضعف النزعة الفردية لأن هذا الغياب وهذا الضعف قد جعلا مصائر الناس واتجاهاتهم مرتهنة بولاءات ونزوات المتنفيذين من زعماء القبائل أو غيرهم من أهل النفوذ والوجاهة والتأثير.
فحين نعود إلى بداية التاريخ الإسلامي نجد أن ارتباط العرب بزعاماتهم العشائرية قد أخر قبول العرب للاسلام فقد ظلت القبائل العربية تحارب الإسلام وتصد الناس عنه حتى صار انتصاره حتميا فبادر زعماء القبائل بالانضمام إليه ومعهم جميع قبائلهم وكان هذا العام يسمى عام الوفود.
إن وقائع عام الوفود تؤكد أن محاربة الإسلام حينما كان ناشئا ثم الانضمام إليه حينما أصبح قويا كان قراراً فرديا من زعماء القبائل أما جموع الناس فكانوا يسيرون خلف هؤلاء الزعماء نحو الخير أو الشر.
وما أنا  إلا من غزية إن غوت
غويت وأن ترشد غزية أرشد
وهذه الحقيقة التاريخية تؤكد أن الإنسان العربي لا فردية له وإنما هو جزء من القطيع العشائري كما أن هذه الحقيقة تؤكد ايضا ان قرارات الزعيم القبلي مرهونة بمصالحه فهو في الغالب لا يستجيب للحق أو يرفضه اقتناعا بعد التقصي عن الحقيقة وإنما يحارب أو يسالم رغبة أو رهبة.
يؤكد ذلك أنه ما كاد ينتشر نبأ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ارتد أكثر هؤلاء الزعماء وارتدت معهم قبائلهم وكان شعارها: كذاب اليمامة خير من صادق مضر.
لذلك فإنه طيلة التاريخ العربي كان الأقدر على شراء هؤلاء الزعماء يستطيع أن يضم إلى صفه قبائل بأكملها حتى قيل عن الزعيم القبلي: إنه الرجل الذي اذا غضب غضب له مائة ألف فارس لا يسألونه لماذا غضب وإنما يندفعون إلى الموت من أجل محاربة الذي أغضبه.
ومع أن الظاهرة العشائرية قد تلاشت نسبياً في الكثير من الأقطار العربية في هذا العصر فإن ولاءات التحزب أو التمذهب لا تختلف كثيرا عن الولاءات القبلية التي تلغي الأفراد وتجعل الأوضاع والمصائر مرتهنة باتجاهات افراد معدودين يدفعون أمواج القطيع الأحمق إلى الهاوية.

وكيف يكون خلاص العرب مما هم فيه؟
– إن الإفلات من قبضة التخلف لا يتحقق بتعميم التعليم فقط ولا الاكثار من الجامعات فحسب وإنما الشرط الاول لهذا التحقق هو بزوغ نهضة فكرية وأخلاقية تملأ أذهان الناس بالوعي والاحساس بالمسؤولية وتعودهم على الفحص والمراجعة والتحليل وتربطهم بالحق وتربيهم على الايثار والاخلاص والصدق والوضوح والشفافية وتجعلهم يتبادلون الاحترام فيما بينهم كما تربيهم على حب العلم والعمل وتبرز لهم موانع النهوض وتحلل بنية التخلف وتؤسس لنهضة العلم وتهيئ المجتمع لنهضة حضارية شاملة وتقييم منظومة القيم على أساس من احترام الانسان والاعتراف بحقه في التفكير الحر والتعبير الأمين.

المصدر

Advertisements
Leave a Comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: